ابن أبي الحديد

110

شرح نهج البلاغة

خرج حتى لحق بالنمر بن قاسط وقال : لا تنظر في وجهي غطفانية بعد اليوم ، فقال يا : معاشر النمر ، أنا قيس بن زهير ، غريب حريب طريد شريد موتور ، فانظروا لي امرأة قد أدبها الغنى وأذلها الفقر . فزوجوه بامرأة منهم ، فقال لهم : إني لا أقيم فيكم حتى أخبركم بأخلاقي ، أنا فخور غيور أنف ، ولست أفخر حتى أبتلي ، ولا أغار حتى أرى ، ولا آنف حتى أظلم . فرضوا أخلاقه ، فأقام فيهم حتى ولد له ، ثم أراد أن يتحول عنهم ، فقال : يا معشر النمر ، إن لكم حقا على في مصاهرتي فيكم ، ومقامي بين أظهركم ، وإن موصيكم بخصال آمركم بها ، وأنهاكم عن خصال : عليكم بالأناة فإن بها تدرك الحاجة ، وتنال الفرصة ، وتسويد من لا تعابون بتسويده ، والوفاء بالعهود فإن به يعيش الناس ، وإعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة ، ومنع ما تريدون منعه قبل الانعام ، وإجارة الجار على الدهر ، وتنفيس البيوت عن منازل الأيامى ، وخلط الضيف بالعيال . وأنهاكم عن الغدر ، فإنه عار ، الدهر وعن الرهان فإن به ثكلت مالكا أخي ، وعن البغي فإن به صرع زهير أبى ، وعن السرف في الدماء ، فإن قتلى أهل البهاءة أورثني العار . ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق ، وأنكحوا الأيامى الأكفاء فإن لم تصيبوا بهن الأكفاء فخير بيوتهن القبور . واعلموا أنى أصبحت ظالما ومظلوما ، ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا ، وظلمتهم بقتلى من لا ذنب له . ثم رحل عنهم إلى غمار ( 1 ) فتنصر بها ، وعف عن المآكل حتى أكل الحنظل إلى أن مات . * * * الأصل : إياك والدماء وسفكها بغير حلها ، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ، ولا أعظم .

--> ( 1 ) غمار : اسم واد بنجد